اليوم العالمي للغة العربية اللغات سواسية د. محمد خالد الفجر

عندما تطرح مقولة لغتي خير من لغتك سينفر المخاطب منك ومن لغتك لأنك بقولك هذا كأنك تقول له اترك لغتك وتعلم لغتي

اليوم العالمي للغة العربية: بمناسبة الاحتفال باليوم العالمي للغة العربية أريد أن أؤكد حقيقة علمية لا بد أن نؤمن بها نحن البشر ألا وهي أن اللغات سواسية وهذا ما سيتحدث عنه هذا المقال

مكونات اللغة ووظيفتها

ما زال تعريف ابن جني للغة يتردد في أسماع الراغب في تعريف اللغة حيث يعد تعريفه جامعا مانعا حيث وصف الوظيفة التي تؤديها اللغات بكلمات معدودة عندما قال في كتابه الخصائص: “حد اللغة أصوات يعبر بها كل قوم عن أغراضهم”

وكل لغة قوامها يكون من هذه اللبنات الصوت والكلمات والجمل حيث تحمل هذه المكونات الرسائل بين الإنسان وأخيه الإنسان فهي التي تعبر عن أحاسيسه ومشاعره وآلامه وأفراحه وأفكاره  بل هي التي جعلت هذا الكائن المتمثل باسم الإنسان يتميز عن باقي الكائنات ولهذا وصف وعرِّف بأنه: “حيوان ناطق” فهو مثل باقي الكائنات ينبض فيه الروح ويتحرك في الحياة ولكنه يغايرها بأنه يمتلك  أداة النطق وهي ليست مجرد أصوات تتبعثر كصياح أو نباح أو صهيل بل هي تحمل المعاني التي تمتزج بالدماغ ثم تتشكل بصورة كلمات وهذه الكلمات تكون موصلة لرسالته إلى شريكه في الحياة الإنسان الذي يشاركه في مجتمع لغوي تعارف على أصوات معينة للتعبير عن أغراضهم.

ومن هنا فإن كل مجتمع إنساني توجد له أداة لغوية في التواصل تختلف عن لغة المجتمع اللغوي الآخر من ناحية حروفها وكلماتها وتركيبها، ولن تجد إنسانا منتميا لمجتمع لغوي يستصغر أداته التي يتواصل بها أو من خلالها مع أقرانه وشركائه في الحياة؛ لأنه يتماهى معها وتصبح هي هو، ومن هنا نجد علماء اللغة قد أطلقوا مصطلح: “اللغة الأم” تعبيرا عن أن اللغة تؤخذ مع الحليب الذي يرضعه المولود من حليب أمه وهذا ما دفع عددا من العلماء إلى إطلاق مصطلح: “لغة الأم” وليس اللغة الأم أي أن الأم التي ترضع مولودها حليبها هي ترضع مع الحليب اللغة التي سيتواصل بها بعد مدة في مجتمعه وستصبح ممثلة له والأداة التي يتواصل من خلالها مع الآخرين، بل النافذة التي ستخرج من خلالها أفكاره ومشاعره وأحاسيسه.

إن كل ما تقدم ينفي مسألة التفاضل بين اللغات فكما أن الناس سواسية في الخلق فكذلك اللغات سواسية في الوظيفة التي تؤديها وهي التواصل بين مكونات المجتمع البشري، فالإنسان المنصف أولنقل الإنسان المعتدل في تفكيره لا يدعي أن عرقه أفضل من عرق إنسان آخر، ولا لونه خير من ألوان الناس الآخرين، وكذلك لا يمكن أن يقول إن لغته خير من باقي اللغات.

الدين واللغة:

إن المؤمن بوجود الخالق يؤمن بأنه أرسل رسلا إلى الأرض وهذا المؤمن يسلم بقول الله تعالى: “وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ” فنص الآية الكريمة يوضح أن الرسول يرسله الله ليبلغ رسالة الله إليهم ولكي يفهموا هذه الرسالة فإن الرسول المختار يكون متكلما بلغة الناس المرسل إليهم، ونص الآية واضح في أن اللغة أدات للتوصيل ولا يعني نطقها على لسان الرسول المرسل أنها تفضل باقي اللغات التي يسلِّم المؤمنون أن هذه اللغات جميعها من خلق الله.

ولكن كما نعرف فإن التكوين الفكري لعدد من الناس يقوم على الظن بأنه هو الأفضل واللغة عنده أداةٌ من أدوات هذا التفاضل وينتمي إلى هذا التكوين الفكري قديما جالينوس الذي شبه كل اللغات مقارنة باللغة اليونانية بنباح الكلاب أوبنقيق الضفادع. فجهله بلغة الآخر وانحصاره في بوتقة لغته وحدها جعله يظنُّ أن الأصوات التي لا يفهمها هو ما هي إلا نباح كلاب بالمقارنة مع لغته اليونانية التي يفهمها ويتواصل بها.

وينتمي إلى هذه العقلية أولئك الذين قالوا إن اللغة العبرية هي لغة اهل الجنة وهي أفضل اللغات وكذلك الذين قالوا إن السريانية (الآرامية) هي أفضل اللغات لأنها لغة عيسى عليها السلام والذين يقولون إن العربية هي خير اللغات لا يخرجون عن هذه الدائرة.

الإنصاف والعدل يقول إن اللغات تعبر عن الإنسان إن لم نقل هي الإنسان فأنت بكلماتك نعرفك وتضع بصمتك وإذا رحلت فتبقى كلماتك هي الذكرى التي تعيش معنا فكيف يقبل امرئ معتدل مؤمن أن يطعن بلغة وهبها الله لإنسان آخر فبمجرد قولك لغتي أفضل من لغتك فهذا القول نسبة عجز وطعن للغة التي تظنها أضعف وأقل من لغتك.

ولعل الله تعالى ينبهنا إلى خطورة هذا الادعاء بقوله: “وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّلْعَالِمِينَ”.

فنلحظ أنه جمع بين اللون واللغة الموضعان اللذان يكوِّنان نافذة للظن بالأفضلية فسدَّ ربنا سبحانه هذا الباب بتبيانه لنا أن اللغات كلها سواسية فجميعها من آياته التي تدل على عظمته وقدرته.

باب التفاضل بين اللغات من زمن طرحه ابن حزم ورد على جالينوس قائلا كل من يجهل لغة قوم هي بالنسبة إليه نباح كلاب فالعلة في جهلك  للغة الآخر وليس بنقصٍ يعتري اللغة التي تجهلها.

عندما تطرح مقولة لغتي خير من لغتك سينفر المخاطب منك ومن لغتك؛ لأنك بقولك هذا كأنك تقول له اترك لغتك وتعلّم لغتي؛ لأن لغتك لا تبلغ شأو لغتي.

إن كنت تؤمن بسواسية الخلق فلا تسمح لنفسك أن تظن أن لغة تفضل لغة  فاللغات هي المعبر عن جميع الخلائق ولهذا فهي سواسية مثل متكلميها.

 

 

 

اترك ردا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك (الكوكيز). بمواصلة تصفحك للموقع سنفترض أنك موافق سياسة الخصوصية الخاصة بالموقع. موافق قراءة المزيد