كيف يكون التدين الصحيح؟ د. محمد خالد الفجر

التديّن ليس كما صوّر من قبل بعض الناس أنه ينحصر بمجموعة من الكلمات أو أن ترتدي بعض الثياب التدين هو نبض قلبك الذي يتفق مع قولك وعملك التدين صدق المعاملة والخلق الحسن وملازمة الحق والبعد عن النفاق والرحمة بالخلق وهذا ما سنسعى لإظهاره في هذا المقال

كلمة التدين جاءت من الدين ولو تتبعنا معنى الدين في معاجم اللغة فإننا سنرى أقدم معجم وهو معجم العين المنسوب إلى الخليل يقول: إن معنى الدين هو الطاعة، وورد في المنجد أن أعرابيًّا قال: “لو لقيتني على دينٍ غير هذه لأخبرتم ” ومن قول الأعرابي استنبط المنجد معنى الحال للدين، وفي شمس العلوم التديّن من الدين أي أنه بمعنى الطاعة، وارتبط مفهوم المتديّن بمعنى المطيع لأوامر الله الذي يبتعد عمّا نهى عنه الله ويفعل ما أمر به، وأخذ هذا اللفظ مع الزمن مفهوما يعطي نوعا من التقدير والاحترام لهذا الشخص حيث أصبح  يعد مغايرا لكل الأشخاص الذين لا يبالون بأوامر الله.

وارتبط به اللفظ المركب رجل صاحب دين، أو ذو دين، أو من أهل الصلاح والتقوى، أو من أهل الدين، أو من إخواننا وما إلى ذلك من مصطلحات تحرّك الشعور النفسي عند المتلقي الذي يحترم الدين وخاصة أولئك الذين يربطون بين الدين ومن يتحدّث باسمه فتراهم يجعلون المتحدثين باسم الدين وكأنهم هم الدين نفسه.

وسنعرض في هذا المقال خطوات تعطي المفهوم الحقيقي لمصطلح التدين الذي هو مسار لو طبق على شكله الصحيح فإنه سيكون مساعدا جدا على بناء مجتمع صالح يقوم على أناس مستقيمين.

أوّلًا – الدين يسر:

لا بد أن ننبه إلى مسألة مهمة ألا وهي أن كثيرين بسبب أفعال بعض المتدينين استقر في أذهانهم مفهوم مغاير لحقيقة الدين وهذا المفهوم قوامه أن الدين يعني الوجه العبوس والحجز على السعادة والبعد عن الحياة والعيش بطريقة مغايرة لما يحبه الناس من حيوية وإقبال على استثمار الحياة هدية الله الكبرى للإنسان، إن هذا المفهوم هو بسبب ما اعتادت عين الناس على رؤيته من تصرفات كثير من المتدينين يتنافى مع حقيقة الدين الذي هو رحمة ومساعدة على العيش بطريقة تريح النفس وتسر القلب فالدين كما قال عليه الصلاة والسلام:  «إِنَّ ‌الدِّينَ يُسْرٌ، وَلَنْ يُشَادَّ ‌الدِّينَ أَحَدٌ إِلَّا غَلَبَهُ، فَسَدِّدُوا وَقَارِبُوا، وَأَبْشِرُوا، وَاسْتَعِينُوا بِالْغَدْوَةِ وَالرَّوْحَةِ وَشَيْءٍ مِنَ الدُّلْجَةِ»” (أخرجه البخاري)

إن المتأمل في هذا الحديث يستنبط أن من لاوازم المتدين أن يكون مثلا لما ورد في وصف الدين على لسان رسول الله.

فالمتدين يجب أن يكون سمحا مبشِّرًا غير متشدّد وغير منفّرٍ للناس، عليه أن يكون كالناس أن يشعرك بسلوكه وتصرفاته أن إنسانيته تنمو باتباع هذا الدين وأن رحمته بالناس والخلق تزداد كلما أظهر لنا سلوكه المتديّن.

ثانيًا – خطوات التدين الصحيح:

1- الحاجة النفسية:

إن أول درجات سلم التدين الصحيح هو أن يكون لحاجة نفسية ذاتية أي لتنمية جانب الخير في النفس الإنسانية على جانب الشر والسوء، وذلك تطبيقا لقوله تعالى: {قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا}  فالغاية الأولى من التدين تقويم المرء نفسه وهذا يضاده صورة التدين الذي يكون؛ لأن الشخص يريد أن يتحكم بالآخرين من نافذة الدين ويريد أن يكون له دور في المجتمع من خلال هذه النافذة، فينشغل بالناس ويترك نفسه لهواها فهذا تديّنٌ سلبي يتفق مع مصطلح النفاق الذي حذّر منه الله سبحانه أشد التحذير.

وتاريخنا الإسلامي فيه صفحات وصفحات عن أشخاص لم يجدوا من يرفع لهم قدرا أو يعطيهم مكانة فاتخذوا من الدين سببا للوصول إلى مآربهم وغاياتهم وأنشؤوا لهذه الغاية فرقا تدين لهم بالولاء وصاروا سببا في الفتن بين الناس يستغلونهم ويوجهونهم لتحقيق أغراضهم ونواياهم الخبيثة.

مواضيع ذات صلة

2- التدرُّج:

ثم يتلو ذلك أن يكون الدخول في عالم التدين وفق ما يسمى بالتدرج وعدم الانقلاب إلى متدين يحل ويحرم فجأة ويحصر الناس ويخنقهم بأحكامه وقد روي عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال: “إن هذا ‌الدين متين فأوغل فيه برفق، فإن المنبتّ لا أرضا قطع ولا ظهرا أبقى».

فكم عرفنا من شباب انتقلوا من حال البعد عن التدين إلى مرحلة التشدد، فشددوا على أنفسهم وظنوا أنهم بذلك يعطون الصورة الإيجابية عن التدين، ولم يكتفوا بالتشدد على نفسهم وحسب بل صاروا ينشرون الرعب بين أهلم وإخوانهم وأصدقائهم بحجة محاربة المنكر والأمر بالمعروف، فكان جهلهم بفهم الغاية من الدين وعدم قدرتهم على فهم مقاصد الشريعة سببا في عرض صورة سيئة عن الدين نفّرت الناس بدلا من أن تقربهم وتحببهم في الدين والمتدينين.

3- الذوق:

إن الدين يدعو إلى أن يكون صاحبه ذوّاقا مراعيا لشعور الآخر حريصا على عدم الإساءة إلى أي إنسان على وجه هذه الأرض بعيدا عن الفظاظة كما قال تعالى : { وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ}. فالمتدين التدين الصحيح الصادق سترى الناس تألفه فهو يألف ويؤلف لا يسخر ولا يهزأ ولا يعطي صورة تفيد أنه صاحب الجنة ومالكها وهو يدخل من يشاء إليها ويمنع من يشاء عنها.

4- العقل المنفتح:

التدين الصحيح يعني أن تكون ذا رؤية شمولية غير منغلق على فكرتك أو على ما تهواه نفسك والعقل النفتح يتحقق بقراءتين: قراءة المكتوب، وقراءة المشاهدة، فأما قراءة المكتوب فهي أن يطلع على كتب متنوعة لا يمنع نفسه من قراءة أي ثقافة لأن صاحب الدين الصحيح لا يخشى على تدينه فهو مؤمن ع قناعة لا عن اتّباع أعمى بحيث تغيره كلمات أو تصرفه عن دينه صفحات من  قالقراءة المنوعة تؤدي إلى أن يرى المتدين العالم كله لا مجرد شيخه أو مذهبه أو مقتنعاته بل ربما يجد أن كثيرا من فهمه للتدين خاطئا ويغير ويطوّر من نفسه بما يتفق ومفوه الدين القويم.

وأما قراءة المشاهدة فنعني بها أن يشاهد العالم كله ويسمع من الناس ويرى حركاتهم في الأرض ومشاغلهم ومعاناتهم وعندها سيقدر الكلمة التي ينطق بها ويعرف أثرها في عقل من يكلم بعد أن يفهمه ويفهم مشاعره من خلال اعتماده على تعرفه على الناس من خلال مشاهدته لحياتهم ولعلاقاتهم ولعاداتهم ولثقافاتهم.

5- الصدق:

هذه السمة تعد أهم سمة وأهم صفة على المتدين التدين الصحيح أن يتسم بها فهي طريق الوصول إلى الجنة، كما قال عليه الصلاة والسلام: “إِنَّ الصِّدْقَ يَهْدِي إِلَى البِرِّ، وَإِنَّ البِرَّ يَهْدِي إِلَى الجَنَّةِ” وفي النهاية فإن طمعنا جميعا هو الفوز بهذه الجائزة ألا وهي الجنة، وهذا الحديث يعد مسار طريق رسمه النبي للمتدينين ولمن يرغب في التدين فالذي يؤمن بوجود الجنة سيكون من أهل البر؛ لأنه لن يكذب ولن ينافق ومن يكذب فإنه سيكون فاجرا ولو كان لابسا لبوس التقوى والصلاح ناطقا بكلمات الإيمان والفلاح فهو خاسر حتى في الدنيا؛ لأنه سيفضح أمام الصادقين وأمام المتنورين وأمام نفسه واهله أنه مجرّد متاجر بالدين لا يبلغ الدين منه سوى ما يمكنه من تحقيق مآربه وغاياته. أما داخله فأبليسيٌّ رجيم لا يتوانى عن سرقة حقوق الناس والمتاجرة بأحلامهم وآمالهم، كل العيوب يرجى شفاؤها إلا عيب الكذب والنفاق فهو متمكن من قلب صاحبه لا يمكن انتزاعه؛ ولهذا فالتدين الصحيح ملازم ملازمة تامة للصدق الصدق في القول والعمل.

وأخير نقول: إن لتدين الصحيح نبض قلب يتوافق مع القول والعمل ويعين على الحفاظ على المبادئ والقيم، و أولى خطوات عودة تطبيق القيم التي جاء بها الدين أو أتمّها أن يلغى المظهر التديني الذي يُستغل في النفاق وألا يعطى الشيخ أي قيمة تفوق باقي أفراد المجتمع، بل يعد ما يقوم به واجبا كباقي الواجبات التي يقوم بها باقي أبناء المجتمع. عندها سيصبح التدين مقصودا لذاته ولا يفتح باب لاستغلاله من قبل اللصوص والمتسلقين والجاهلين. فالتدين علاقة بينك وبين ربك يظهر في سلوكك ومعاملاتك لا في وعظك وكلامك.

اترك ردا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك (الكوكيز). بمواصلة تصفحك للموقع سنفترض أنك موافق سياسة الخصوصية الخاصة بالموقع. موافق قراءة المزيد