مسلسلات رمضان بعد عن الواقع وتفلت من الأخلاق والقيم – د. محمد خالد الفجر

ترى البلطجي تاجر المخدرات صاحب مبدأ والكل يهابه وطوع أمره، كأس الخمر مرافق للجميع عند الغضب والفرح، والعلاقات الغرامية الشاذة تكثر في الأعمال الدرامية، والتركيز يكون على هذا الشهر الفضيل الذي جعله الله للطاعة والإيمان والرقي الروحي، المهذِّب للخلق في التعامل مع الله وعباده.

أصبح شهر رمضان الذي كان في الماضي شهر الالتزام والطاعة على الشاشات العربية انتقل هذا الشهر إلى زمن انفجار المسلسلات التي لا تتناسب مع قيم الشهر والشيء الذي فرض لأجله، ألا وهو التقوى، تقوى الله بطاعته، وتقوى الله بالصدق مع عباده، والرأفة على فقرائه، ومساندة مساكينه، شهر يزرع الطمأنينة الروحية بالرقي الإيماني وتصاعد مستوى اليقين بالله وأن هذه الدنيا ممر إليه، ولكن منذ زمن ليس بالبعيد غدا هذا الشهر سوقا تجاريا لمنتجي المسلسلات.

كلنا يذكر أيام رمضان في الثمانينيات وبداية التسعينات كيف كان الإعلام وقتها يحرص على أن تكون وجبات المسلسلات الرمضانية لا تخلو من مسلسل يدعو إلى التدين والالتزام والطاعة مثل: مسلسل عمر بن عبد العزيز الذي كانت الشوارع تخلو في كثير من المدن العربية لمشاهدته، وكم كنا نذرف الدموع مع المشاهد الإيمانية المؤثرة، ولم يكن هذا المسلسل هو الوحيد بل ثمة مسلسلات كثيرة كانت تمثل ظاهرة تتوافق مع شهر رمضان.

ولكننا اليوم صرنا نرى اتجاها مغايرا لما كان سابقا بدأ هذا الاتجاه مع انتشار الفضائيات، ولكن الغريب في النقلة التي حصلت أن هذه القنوات جعلت من شهر الصيام شهر تسلية وترفيه.

طبيعة المسلسلات الرمضانية اليوم

المتتبع للمسلسلات التي تعرض في السنوات الأخيرة في شهر رمضان، يرى أن صورتها تتجسد بالآتي:

1- البلطجة:

تجد كثيرا من المسلسلات تعرض لنا صورة بطل سكير أو تاجر مخدرات، ولكنه إنسان يتمتع بعاطفة جياشة ونخوة ورجولة، ويحاول المخرجون والمؤلفون أن يظهروا لنا هذا البطل بوجه مشطب أو حلاقة شعر تمتُّ كما يقال بالعامية المحلية للزعرنة بصلة كبيرة.

تجد هذا البطل المتاجر بالمخدرات يسعى إلى نصرة أبناء  منطقته وحيّه، وهذا البطل لم يكن حكرا على مسلسل دون آخر ، أو على منطقة عربية دون غيرها، ولكن وجدنا الأعمال الشامية والمصرية المشهورتين على مستوى الوطن العربي تركزان منذ سنوات على عرض هذا البلطجي المنقذ، الذي يتصرف دون خضوع لحكم دولة أو نظام يتبعه، بل نجدهم يجعلونه صاحب نظام مستقل، وإدارة ذاتية تخضع لحكمه وإدارته، ماليًّا، وإداريّا.

الكل يهابه، والكل طوع امره؛ حتى إن له كلمة على علية القوم الممتعين بالذوق الأخلاقي والمكانة الاجتماعية.

2- العري والعلاقات المغايرة لما ربينا عليه

الصورة الثانية التي تركز عليها المسلسلات العربية الرمضانية، هي أن المجتمع يقوم على علاقات بين الرجال والنساء لا تمت لا للمسلمين ولا لغير المسلمين بصلة، فالمسلمون وغير المسلمين لهم عاداتهم وتقاليدهم  في بناء نسيجهم الاجتماعي، فلا يوجد فينا من يقبل العلاقات بين متزوج ومتزوجة، أو بين ولد وزوجة عمه أو غيرها من العلاقات التي صرنا نراها في بعض الأعمال الدرامية.

تجد في كثير من هذه الأعمال شابا يجالس فتاة ويعيش معها في بيت واحد، دون عقد زواج، وكأن المساكنة أصبحت ظاهرة عندنا، مع أنها لا تمثل إلا نسبة قليلة جدا من طبيعة العلاقات بين الرجل والمرأة في مجتمعاتنا الشرقية.

3- اللغة المستعملة في الحوارات:

كلنا نعرف أن اللغة هي أداة التعبير عن المجتمع وهي التي تعرِّف لنا سلوك الناس، فمثلا اليوم ونحن نقرأ على وسائل التواصل الاجتماعي لغة المراهقين التي تجاوزت كل الخطوط الحمراء صرنا نرى استنكارا كبيرا لهذه اللغة من جميع الناس على اختلاف انتماءاتهم، حتى إن علماء النفس والاجتماع يكرسون جهودهم لمعرفة كيفية إخراج المراهقين من هذا الواقع اللغوي الذي يبتعد عن الأدب والتربية والدين والأعراف والتقاليد.

للأسف صرنا نرى أن عددا من المسلسلات يستعمل اللغة السوقية في الحوارات بين الممثلين، والحجة في ذلك أنهم يريدون عرض جميع أشكال العلاقات الإنسانية في مجتمعاتنا، مع أن الاعمال الناجحة التي ما زالت في ذاكرتنا الجمعية كانت خلوا من هذه اللغة السوقية، بل معظمها كان يستعمل لغة عامية قريبة من الفصحى من ناحية الاستعارة والتشبية والكناية. حيث كان المؤلف في تلك المسلسلات يبهرنا باللغة العامية العالية التي تجعل المتلقي يبحر في أخيلة مع الكلمات التي يسمعها، ويتماهى معها.

ما الغاية من هذه الأعمال؟

السؤال الذي يتردد في أذهاننا دائما لماذا هذا الحرص من منتجي الأعمال الدرامية اليوم على التركيز على هذه النوعية من المشاهد والحوارات والقضايا والمستوى اللغوي الوضيع؟ هل هذا يرجع إلى أن المنتج لا ينتمي إلى المفهوم الاجتماعي الجمعي للمجتمع الذي ينتج له مسلسلاته، أم هل أصحاب القنوات، لا يريدون أن يعرضوا الحقيقة التي نعيشها، هل شرب الخمر  في مجتمعنا كشرب الماء في كل مكان، أم أن القناة تريد أن يستسيغ المجتمع هذه الظواهر، بحيث إذا اعتاد النظر على منكر  في الشاشة لن ينكره إذا ظهر في الواقع؟!

كل الأسئلة السابقة ربما تكون هي الجواب، ولكن نقول: إن نسبة الوعي وإن كانت ليست بالمستوى الذي نطمح إليه في مجتمعاتنا، إلا أن الشيء الجيد أن هذه الأعمال المستفزة، لم تلق ترحيبا عند المتلقي، وإن كان يتابعها لملء وقته في أغلب الأحيان، لكن خطورتها تكون على الجيل الصاعد، الذي كما ذكرت آنفا لغته التي يستعملها في مواقع التواصل الاجتماعي تدل على أنه متأثر جدا بما شاهده من مسلسلات رمضانية، ونلحظ ذلك من خلال قصات الشعر، وطريقة الكلام، وكلها في السميائية علامة تدل على انتماء لفكرة شاهدها او سمع عنها فاقتنع ويحاول تقليدها في واقعه.

 

اترك ردا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك (الكوكيز). بمواصلة تصفحك للموقع سنفترض أنك موافق سياسة الخصوصية الخاصة بالموقع. موافق قراءة المزيد