كيف تتقن فن الإلقاء د. محمد خالد الفجر

فن الإلقاء

اللغة بوابة التنفيس عن المشاعر وأداة إيصال الرسائل؛ ولهذا قيل عن الشاعر إنه ينفث ما في صدورنا بصورة تفضل طريقتنا في التعبير عما في داخلنا ومن هنا تباهت الأمم بشعرائها وأدبائها لأنهم يوصلون الرسائل الإنسانية من خلال اللغة.

ويضاف إلى هذا أن هذه الرسالة يزداد أثرها بصوت يتقن التعامل مع كلمات الرسالة بحيث يعطيك نغمة  موسيقة تشعرك أنه يعزف بالكلمات وهو ينطقها فكأنّ الكلمات هي الأوتار واللسان هو الذي يتفنن في إخراج أجمل النغمات لها.

ما ذكرناه آنفا يفيد أن الأداء اللغوي أو فن الإلقاء ما  إلا فنٌّ مكتمل التشكيل من ناحية الاحتياج إلى موهبة وقواعد تتبع، وبهذا فإن الموهبة التي تُصقل بعدد من القواعد تنمو وتصبح مؤهلة للتميز؛ ولأن يقال لصاحبها إنه ذو بصمة صوتية لا تنسى.

كلنا ونحن أطفال كنا نعيش مع مسلسلات كرتونية تشدنا إليها الصورة والحكاية وكلاهما لا يكونا ذا أثر لولا الصوت الذي جعلنا ونحن نكبر نسمع رنينه القديم، فمن منّا ينسى حنان صوت سنان، ورقة صوت سالي، وحماسة صوت سيلفر وغيرها من البرامج التي لا تختفي من ذاكرتنا وسجّل أصحابها حضورا معنا حتى بعد مرور عقود على تلك المسلسلات. إنه الصوت يا سادة نعم الصوت المتمثل بدقة الأداء والفن في إيصاله حيث تكون نغمة الحزن كأنها تصوَّر أمامك فتذرف الدمعة  تلقائيا وكذلك نغمة الحماس تولِّد في قلبك خفقانًا لتحقيق ما تصبو إليه هكذا هو أثر الصوت فينا المرافق للصور وللحكاية المتقنة.

كيف أتقن هذا الفن:

السؤال الذي سيتبادر إلى الأذهان الآن هو: كيف أتقن هذا الفن؟

بداية نقول: إنّ كل عمل في هذه الحياة بحاجة إلىدربة على أسس ولكن الفن يلزمه موهبة تكون من الخالق وفي موضوعنا أي الأداء اللغوي فإن الموهبة ترتبط بالخامة وهي عطاء من الله، وهذا لا يعني أن الذي لا يمتلك الخانة لا يستطيع الأداء الصحيح، بل إن عددا كبيرا من الذين لا يمتلكون خامة صوتية استطاعوا بالدربة على قواعد معينة أن يوجدوا لأنفسهم مكانا ضمن مجموعة كبار المؤدين والمذيعين والمعلقين.

أهم الأسس التي علينا اتباعها:

الآن ما هي هذه الأسس:

  • القراءة بصوت مرتفع: عليك أن تقرأ بصوت مرتفع تقرأ وكأن الجمهور أمامك تقرأ وتسجل ما تقرؤه سواء أكان نصًّا شعريا أم نصا نثرا أو خبرا سياسيا او خبرًا فنيا أي نوع من النصوص عليك قراءتها بصوت مرتفع، ثم تسجيل صوتك وإعادة الاستماع إليه وفي زمننا كثرت وسائل التسجيل الصوتي وهذه ميزة تسهِّل أول أسسمن أسس الدربة على فن الإلقاء.

وهنا أذكر لكم قصة حصلت معي في سنيي الدراسية الأولى حيث كنت في الصف الأول الثانوي وكان عندنا أستاذ عالم اسمه: الأستاذ عبد الوكيل صافي-رحمه الله تعالى- طلب منا كتابة موضوع وكتبت موضوعا وجئت به وقرأته قراءة المستعجل المرتبك فهدّأ من روعي وقام بالآتي سحبَ المنضدة إلى أمام المقاعد قليلا ثم وضع يدي اليمنى على طرفها الأيمن واليسرى على الأيسر، وفتح الدفتر أمامي وذهب إلى آخر الصف وقال لي: اقرأ وانظر إلينا بعينيك، اقرأ وكأنك تخاطب جمهورًا، اقرأ كما تحب أن ترى من يقرأ أمامك.

وبعد هذه القراءة قال لي: لتنجح في القراءة قف أمام المرآة واقرأ بصوت مرتفع وانظر إلى نفسك ولا تتوقف عن هذه الممارسة، وبعدها سترى كيف أنك ستتطور شيئا فشيئا وستصل إلى مرحلة الإتقان.

فأدعوكم إلى ما نصحني به أستاذي جرِّبوا وسترون النتائج المفرحة لكم.

  • التدريب على التنغيم:

التنغيم من اسمه نعرف معناه إنه: النغم الذي يصل إلى أذننا النغمة التي تعطينا الاستفهام والتعجب والسخرية والإعجاب. إنّ النصوص فيها أدوات تساعد على تنمية مهارة التنغيم هذه الأدوات يا أصدقائي هي: علامات الترقيم، وما علامات الترقيم إلا نغماتٌ منوّعة، فكل علامة لها نغمةٌ: الفاصلة للنفس ثم البدء من جديد، الاستفهام للسؤال، التعجب للإعجاب والدهشة والإبهار، وهكذا عليك أن تعرف من الجمل التي تسبق العلامة الترقيمية كيفية نطقه بصورة تشعر المستمع بالمعنى من خلال النغمة.

  • الاستماع إلى المتقنين والمبرزين:

ذكرت في مقدمة حديثي تأثرنا بالذين أدّوا أصوات الشخصيات الكرتونية في برامج الأطفال وأيضا هناك متميزون في إلقاء الشعر، فمن منا لا يعرف عبد المجيد المجذوب وصوته الذي يعطيك القصيدة بدون أي تكلف، وكذلك عبد الله غيث، ووحيد جلال، وغيرهم من أصحاب الأصوات العالقة في الأذهان، وكذلك معلقو البرامج الوثائقية الذي يبدعون في التغيم ويعطونك أجمل الأداء الصوتي. عليك الاستماع إلى الأصوات المتميزة، ولكن دون التماهي معهم بحيث تنسى أنه عليك أن توجد لنفسك بصمة صوتية مستقلة تتميز بها.

ذكرت لكم في هذا المقال الموجز أهم ثلاثة أسس لتنمية مهارة الأداء الصوتي، وكل مؤدٍّ وراغبٍ في هذا الفن سيجد من خلال تجاربه وممارسته سبلا وأسسا تنمِّي وتزيد خبرته. المهم ألّا ننسى أنه بدون جهدٍ في هذه الحياة، لا يمكن الوصول إلى شيء، ولنتذكر هذه القاعدة الجميلة: على المرء أن يسعى إلى الخير جهده…وليس عليه أن تتم المطالب

اترك ردا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك (الكوكيز). بمواصلة تصفحك للموقع سنفترض أنك موافق سياسة الخصوصية الخاصة بالموقع. موافق قراءة المزيد